فخر الدين الرازي

286

تفسير الرازي

أي تداوله ، فالدولة اسم لما يتداول من المال ، والدولة اسم لما ينتقل من الحال ، ومعنى الآية كي لا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى للفقراء ليكون لهم بلغة يعيشون بها واقعاً في يد الأغنياء ودولة لهم . المسألة الثانية : قرىء : ( دولة ) و ( دولة ) بفتح الدال وضمها ، وقرأ أبو جعفر : ( دولة ) مرفوعة الدال والهاء ، قال أبو الفتح : * ( يكون ) * ههنا هي التامة كقوله : * ( وإن كان ذو عسرة فنظرة ) * ( البقرة : 280 ) يعني كي لا يقع دولة جاهلية ، ثم قال : * ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) * يعني ما أعطاكم الرسول من الفيء فخذوه فهو لكم حلال وما نهاكم عن أخذه فانتهوا * ( واتقوا الله ) * في أمر الفيء * ( إن الله شديد العقاب ) * على ما نهاكم عنه الرسول ، والأجود أن تكون هذه الآية عامة في كل ما آتي رسول الله ونهى عنه وأمر الفيء داخل في عمومه . قوله تعالى * ( لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) * . اعلم أن هذا بدل من قوله : * ( ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ) * ( الحشر : 7 ) كأنه قيل : أعني بأولئك الأربعة هؤلاء الفقراء والمهاجرين الذين من صفتهم كذا وكذا ، ثم إنه تعالى وصفهم بأمور : أولها : أنهم فقراء وثانيها : أنهم مهاجرون وثالثها : أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم يعني أن كفار مكة أحوجوهم إلى الخروج فهم الذين أخرجوهم ورابعها : أنهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً ، والمراد بالفضل ثواب الجنة وبالرضوان قوله : * ( ورضوان من الله أكبر ) * ( التوبة : 72 ) وخامسها : قوله : * ( وينصرون الله ورسوله ) * أي بأنفسهم وأموالهم وسادسها : قوله : * ( أولئك هم الصادقون ) * يعني أنهم لما هجروا لذات الدنيا وتحملوا شدائدها لأجل الدين ظهر صدقهم في دينهم ، وتمسك بعض العلماء بهذه الآية على إمامة أبي بكر رضي الله عنه ، فقال : هؤلاء الفقراء من المهاجرين والأنصار كانوا يقولون لأبي بكر يا خليفة رسول الله ، والله يشهد على كونهم صادقين ، فوجب أن يكونوا صادقين في قولهم يا خليفة رسول الله ، ومتى كان الأمر كذلك وجب الجزم بصحة إمامته . ثم إنه تعالى ذكر الأنصار وأثنى عليهم حين طابت أنفسهم عن الفيء إذ للمهاجرين دونهم فقال : * ( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ